‫الرئيسية‬ مقالات أفرغتُ كوبي – عندما أيقنت أن التوقف والعودة من الصفر أفضل

أفرغتُ كوبي – عندما أيقنت أن التوقف والعودة من الصفر أفضل

يُحكى أن شخصًا زار مُدربًا (يوغي = ممارس يوغا) في معبدٍ باحثًا عن الحكمة، لا أتذكر القصة بالتفصيل إلّا أني أتذكر مشهدًا منها، عندما سأل هذا الشخص المُدرب عن شيء، وكلما حاول المدرب الإجابة، قاطعه الشخص مُحاولًا إظهار ما يعرف، فما أن يقول المدرب شيئًا، إلّا وجد الشخص شيئًا ليقوله، فعطّل بذلك واحدة من أهم أدوات التعلم، ألَا وهي الإنصات والاستماع.

فلم يُجب المدرب بشيء، بل أخذ إبريق الشاي ودفع بأحد الأكواب لضيفه ورفع الإبريق يصب الشاي فيه، وفي لحظة الصمت هذه أخذ الضيف يُراقب الكوب والشاي يرتفع فيه، وما إن اقترب السائل من الحواف، نظر الضيف للمدرب مستغربًا، وسال الشاي دون أن يتوقف المُدرب عن سكبه، فأعاد الضيف النظر للكوب والشاي يسيل على الأرض، ونظر لوجه المُدرب وقد سكن، وطلب منه أن يتوقف فلم يتحرك، فأعاد الطلب وقد رفع صوته، وشكّك في أنه قادرٌ على أخذ الحكمة من شخصٍ كهذا.

فتوقف المُدرب ووضع الإبريق وقال:

لا يُمكنك أن تملأ الكأس المليئة

إن لم يكن معنى ذلك واضحًا، فإن الفهم لا يتحقق إلّا بالإنصات والاستماع، والكأس المملوءة أفكارًا، تحتاج لأن تُفرغ لتُملأ من جديد، وقد سبق لي أن سمعت ذلك من Jim Quick، وهو واحد من أشهر المدربين في مجال الذاكرة وتطوير مهارات التذكر، حيث قال أن التعلم يُصبح أسرع ما إن جربت أن تنسى ما تعلمت، وأنه يُفضَّلُ لك أن تبدأ رحلة التعلم بعقلية المبتدئ.

هذا كلامُ مدرِبَين، وهما يصفان بشكلٍ دقيقٍ ما مررت به الفترة الأخيرة، فقد كُنت على ما يبدو أدور الدُنيا وفي يدي كأس مليئة، ولعلّ الجديد الذي كان بإمكاني تعلمه قد سال وأنا مشغولٌ أحاول اكتشاف السبب أو الأسباب التي تجعل ما بين يديّ لا يعمل، وعجزت ربما عن الاعتراف بأن القول الشهير في مجال التسويق: ”أحيانًا مشكلتك مع النجاح تكمن فيما لا تعرف بعد، وليس فيما تعرف.“

فحين بدى لي أن ما أعرف هو بلا شك كافٍ، وقد استثمرت فيه الكثير من المال والوقت والجهد، فإنّ النواقص التي لا علم لي أصلًا بوجودها، تجعل من الأشياء التي أملك محدودة النفع. إعادة تركيب النفس أمر مُتعب، ومن مر برحلة اكتشاف الذات أو البحث عن المعنى أو مطاردة الحقيقة الروحية وغيرها، يعلم أن الأمر مُرهق، فالشخص لا يعلم أي الأجزاء يبني عليها، وأية أجزاء يتخلص منها، ولا أين يقود كل هذا.

ولهذا توقفت!

لا أظن أن أحدًا يؤمن حقًا بمسألة العودة من الصفر، فلا أحد يعود للصفر، نعم يُمكن أن تخسر ثروة جمعتها، أو يرتفع وزنك لما كان عليه بعد أن أوقفت الحمية، إلّا أن الخبرة والتجارب والأحاسيس تظل هناك مُخزنة، وهذا تحديدًا ما يجعل العودة من الصفر عملية مُجهدة نفسيًا، بل مُجرد التوقف يكون كذلك، لكن السؤال، ماذا أعني بالتوقف؟

في حالتي، فإنّي أعني أنني توقفت عن إدارة يومي كما كُنت أفعل، عاداتي التي كونت، وطريقة تفاعلي مع العالم من خلالها، لم يعد الحال كذلك، الطريقة التي أنظر من خلالها للنجاح، والأهداف، ومسعاي في الحياة، كُلها أمور لم تتغير من سنين طويلة، أمّا الآن فالجسم الجامد الذي تكون حول هذا عليه أن يُذاب لأمنح عاداتي وطريقة تفكيري مرونة أكبر، ذلك يعني أني مُستعد للإنصات، ومُستعد لأبدأ بشكلٍ مختلف، وطبعًا لا، لن أعود من الصفر فمعنى التخلي عن كل شيء فليست هذه غايتي، فإنا أُريد أن أحافظ على الهيكل، وسأسميه العماد، وما دونه، أُريد أن أهزه، وأغير أجزاءه أو أتخلص منها، أكان ذلك عادة، طريقة تفكير، فكرة أؤمن بها، أو العقلية التي كونها كل هذَا.

ولأقرب لك الصورة، فإنّي أعطي لنفسي الإذن لاختبار المزيد من الأشياء، حتى وإن فَشِلتُ فيها سابقًا، سأمنح نفسي المرونة اللازمة، سأمنح التجارب فرصة إضافية إن لزم الأمر ذلك، وسأحاول ألّا أبالغ في التنظيم والترتيب والتخطيط، لأترك مساحة للعفوية وللأحداث غير المُخطط لها لتأخذ مكانًا في حياتي، سيكون تركيزي أكبر على “إعادة التعلم” وليس التعلم فقط، أي أنه حتى ما سبق لي أن تعلمته وأرى نفسي جيدًا فيه، إن وجدت أنه لا يعطي نتيجة مَا، فسأبحث عن غيره، وهذا وأشياءٌ آخرى سأذكرها في مقالات قادمة.

قوائم الأعمال التي أهتم بها قد أزلتها أيضًا، يتضمن ذلك قائمة كبيرة من الكتب والأفلام والألعاب وأمورٍ آخرى، وأميل بذلك نحو التبسيط أيضًا، واحدٍ من ثلاث مشاكل تحدث عنها سابقًا، زيادة على عددٍ كبير من العادات أبقيت منه حاليًا المهم والضروري فقط.

🔗 ثلاثة أشياء سأتخلص منها لتحقيق المزيد من النجاح (المثالية – التعقيد – التشتيت)

لما فعلت ذلك؟

لأنني أنصت؟ لا أجد نفسي قادرًا على إعطائك إجابة شافية، لكن الأمر خليط بين طموحَات أكبر قد تولدت ربما من حالة نُضج كُنت مجبرًا عليها بسبب ظروفي، أو اشتياقًا لحالة الانبهار والتجديد التي كُنت عليها وأنا صغير، لكن أنا متأكد من أني شبعت همّا وضيقًا بسبب عنادي، فأنا شخصٌ عنيد يرى الأمور أحيانًا بشكلٍ مختلف، وإن كان هذا العناد ما يحتاجه الشخص المجتهد لينجح، فلا فائدة منه للمتعلم الذي يأخذ المعلومة فيُصنفها حسب الأهمية دون استخدامها، إن كوبي المليئ يحتاج لأن يُفرغ.

”إن وجدت أنك تحفر لنفسك حفرة فتوقف عن الحفر.“ هذا اختصار للتجربة التي مررت بها مؤخرًا، إن كنت ترى أن النتائج التي تحصل عليها بعيدة عمّا تستحق، أو ترى في نفسك عيوبًا تكبر، أو لا ترى في نفسك عيبًا وهذا عيبٌ ظاهر، فالخطوة الأولى تكون بالتوقف، قبل أن تعود لنقطة الصفر، وقبل أن تفعل شيئًا، وقبل أن تبحث عن الحل، فقد توقف، توقف وأنصت.

قبل أن أكتب هذا المقال، وأنا أكتبه كتجربة لا أعلم أأجد بها الطريق الناهج أو تُسقطني في هم التفكير والتيه (وهذا ما يحصل لي كثيرًا بلا تنظيم ولا قوائم) اعْلَم أني اتخذت القرار وبدأته، وإن احتاج الأمر منّي العودة لهذه النقطة مُجددا فسأفعل، وربما عندما تتوضح الأمور سأعود لأكتب عن تجربتي بشكلٍ أفضل، أمّا ما أنا متأكد منه، فهو أنني سأكتب عن أجزاء متفرقة من تجربتي قريبًا.

ℹ هامش
Icons made by monkik from www.flaticon.com
أعجبك المقال والمحتوى؟ ابق قريبًا من شانية

📌 توصل بتحديثات الموقع وجديد المقالات والمحتوى عبر بريدك

⚠ يمكنك إلغاء اشتراكك لاحقًا في أي وقت بضغطة زر
اشترك
نبّهني عن
guest

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments