‫الرئيسية‬ مراجعات كتب مما قرأت: الوعي: مقدمة قصيرة جداً
مراجعات كتب - 28/05/2024

مما قرأت: الوعي: مقدمة قصيرة جداً

سوزان بلاكمور

تبتدئ بلاكمور مقدمتها بطرح مشكلة تعريف الوعي، طبيعته وما الذي يمكن أن يسد الهوة بين ما هو مادي وما هو روحي، ما الذي يربط بين الدماغ والعقل، التجربة الحسية والتجربة الذاتية؟ خاصة أن تساؤلنا عن طبيعة الوعي يجعلنا نفكر في تلك الكائنات التي تعيش بلا وعي، ووضع أنفسنا في مكانها، الأمر الذي يستحيل عنده تبيان الفرق بينها وبيننا، فهل يرتبط الوعي بالإحساس والتفكير وبالتالي موجود لدى جميع الكائنات بأشكال مختلفة أم هو عَرض خارجي صدف أن امتلكناه عبر السنين؟

⚠️ تُعبر هذه المراجعة عن رأي كاتبتها وتختلف في التنسيق عن مراجعات الموقع الرسمية.

ثم تتساءل عن طبيعته فتنفي كونه قوة أو دافعاً، فلابد أنه يؤدي دوراً مهماً لازلنا بحاجة اكتشافه، يجادل ديكارت بأن المادة شيء والروح شيء مختلف، تلتقيان في مكان في الدماغ: الغدة الصنوبرية، ولكن دينيت ينفي ذلك ويطرح الكثير من الأسئلة أهمها: كيف يؤثر المادي في الروحي؟ ما النقطة التي يلتقي فيها كل شيء وينبثق منها الوعي؟ من المؤكد أن النقطة تكمن في الدماغ لأننا نعلم بأن أي تغير في الدماغ سيتبعه مباشرة تغير في الوعي، لكننا لا نعرف السبب الذي يجعلنا واعين، خاصة أن عمليات الدماغ متوزعة عليه ولا يوجد منطقة مركزية تتحكم في جميع آلياته، غير أن الوعي موحد على عكس الدماغ، وكلما أجرينا تجارباً لتبيان أي المناطق في الدماغ تنتج الوعي، حارت عقولنا في كيف ولماذا وما العلاقة السببية الحقيقية، ذاك أن تأثير المتبادل بين تجاربنا الذاتية وبين أدمغتنا تأثير مذهل ومثير للعديد من التساؤلات!

فعلى علمنا أننا نستطيع تحديد المسارات المطلوبة لعملية الإبصار أو الإحساس أو الاستماع، ونستطيع فهم نتائج هذا على الوعي في الإدراك البصري والإدراك الحسي والإدراك السمعي، إلا أننا لا نستطيع أن نفهم كيف يؤثر هذا على ذاك، كيف تؤدي العمليات البصرية عبر المسارات إلى خلق إدراك بصري.

يثبت ليبيت من خلال تجاربه أن تحفيز الخلايا العصبية في الدماغ سينشئ تجربة غير واعية تتحول إلى كونها واعية بفارق بسيط في الزمن، ولكنه لم يستطع تحديد كيف يتم ذلك الانتقال بين الغير واعي إلى الواعي ولماذا، من جانب آخر، يمكن دائماً للدماغ أن يعمل دونما وعي، مثل أن نقوم بالأمور المعتادين القيام بها وغير المحتاجة منا إلى انتباه، فما الاختلاف الذي يكمن بين عمل الدماغ في ظل الوعي وعمله في ظل غياب الوعي؟

لم تستطع النظريات العلمية الحديثة الإجابة على هذا السؤال ولا سد الفجوة بين اتصال التجربة العصبية الحسية بالتجربة الذاتية الواعية، خاصة عندما نعرف أن الرؤية وهم كبير، ولدينا الكثير من النقص في رؤيتنا الحسية للعالم، الأمر الذي يؤثر على وعينا.

كما أن تجارب الفصل بين شطري الدماغ تجعلنا أمام سؤال محوري، إذا كان لدينا وعي ناتج عن نشاط في الخلايا العصبية، فأين يكمن؟ في الشطر الأيمن أم الأيسر من الدماغ؟ وبالنسبة للعديد من الحالات المرضية الفصامية، فهي تظهر قدرة الدماغ على دعم أكثر من هوية بالتالي أكثر من وعي، كما أن الوعي المرتبط بذهن يؤمن بالإرادة الحرة، هل يمكن أن يكون نفسه المرتبط بذهن يؤمن بالحتمية؟

وفي حالة الأحلام فإن القليل من الناس يمكنهم أن يعرفوا خلال أحلامهم بأنهم يحلمون، هل هذا يعني أن أحد مهام الوعي لديهم تظهر أثناء الأحلام؟ كما أن تأثير بعض العقاقير المهلوسة على الدماغ له نتائج واضحة على الوعي، فهو يتلاعب به ويصنع الكثير من الأوهام، وتأثير التأمل يجعل الناس يشعرون بأنهم على درجة أكثر من التعاطف وأقل أنانية ويتخلصون من وهم وجود ذاتٍ منفصلة، فإلى أي مدى يمكن أن يتغير الوعي في أذهانهم؟ وهل يتغير فعلاً؟ وهل يجب أن يؤخذ هذا على محمل الجد في فهم طبيعة الوعي؟

تشير التجارب الحديثة على أن بعض أنواع القردة العليا فقط يمكنها التعرف على نفسها في المرآة، أي أنها تتعرف على ذاتها، ولكن هذا لا يعني امتلاكها وعياً بشكل قاطع، خاصة أننا لم نستطع تعليم اللغة لأي من الكائنات الأخرى، واللغة أحد أقوى مظاهر الوعي، فما طبيعة هذا الوعي الذي يتخذ صفة النسبية؟

تقول بلاكمور بأن الوعي لابد أنه شكّل صفة تطورية ناجحة حتى انتخبه الانتخاب الطبيعي، ولكنه أيضاً قد يكون ناتجاً ثانوياً غير ذي جدوى، أو يكون مكوّناً مهماً من شيء آخر يساعد على التكيف، ولكن إن كان صفة تطورية ناجحة فكيف طوّره الانتخاب الطبيعي طالما أننا لا يمكننا التمييز بين الكائنات الواعية والغير واعية لأنها تقوم بذات الأفعال والسلوكيات؟ حتى لو انتخبه، فما السلوكيات التي ضمن انتقاله للأجيال التالية؟ ما الإضافة على الأفعال التي أضافها الوعي كي يتم انتخابه؟

قد يكون مصاحباً لسمات تطورية لازمة حدثت مثل التفاعل الاجتماعي وعقد التحالفات التي تستلزم قوة بصيرة في الطرف المقابل ومعرفة بالذات وأبعادها، وقد يكون مصاحباً لسمات تطورية مثل الذكاء واللغة والتفكير والإدراك الحسي، ولكن لا يُفهم كيف يصاحب الوعي هذه السمات التطورية لأننا لا نعرف السبب وراء التلازم بينها وارتباط هذه السمات بالوعي.

تختتم بلاكمور كتابها بالقول بأن الوعي وهم تيارات التجارب المختلفة التي عاشها الإنسان، وأن السؤال عن وجوده في لحظة معينة سيخلق دائماً العديد من التساؤلات حول طبيعته وآنيته ومصدره، لذلك تدعونا للنظر إلى الوعي على أنه حدث عابر يؤدي للوهم، تتحلق حوله أوهام أخرى مثل الذات والأنا، ولعلّ هذه المفاهيم ما هي إلا أوجه لمفهوم واحد سيدلّنا عليه العلم مستقبلاً.

أعجبك المقال والمحتوى؟ ابق قريبًا من شانية

📌 توصل بتحديثات الموقع وجديد المقالات والمحتوى عبر بريدك

⚠ يمكنك إلغاء اشتراكك لاحقًا في أي وقت بضغطة زر
اشترك
نبّهني عن
guest

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments